ابن عجيبة

325

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقيل : نصر اللّه : هو إظهار صدق المؤمنين ، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم . يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى ، وَهُوَ الْعَزِيزُ : الغالب على أعدائه الرَّحِيمُ : العاطف على أوليائه . وَعْدَ اللَّهِ أي : وعد ذلك وعدا ، فسينجزه لا محالة ، فهو مصدر مؤكّد لما قبله ؛ لأن قوله : سَيَغْلِبُونَ وعد ، لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ؛ لامتناع الكذب عليه تعالى ، فلا بد من نصر الروم على فارس . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صحة وعده ، وأنه لا يخلف ، أو : لا يعلمون أن الأمور كلها بيد اللّه ؛ لجهلهم وعدم تفكرهم . وإنما يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ؛ ما يشاهدونه منها ومن التمتع بزخارفها . وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا ، فظاهرها : ما يعرفه الجهّال من التمتع بزخارفها . قال بعض الحكماء : إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار ، فإنها مجمع الأكدار ، ومنبع المضار ، وسجن الإبرار ، ومجلس الأشرار ، الدنيا كالحية ، تجمع سموم نوائبها ، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها . ه . وباطنها : أنها مجاز إلى الآخرة ، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة . وتنكير ( ظاهرا ) : مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها . وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ؛ لا تخطر ببالهم ، ولا يتفكرون في أهوالها وتوائبها . فهم ، الثانية : مبتدأ ، و ( غافلون ) : خبره ، والجملة : خبر الأولى ، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرّها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كما تقع الدولة بين الأشباح ، تقع بين النفوس والأرواح . فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح ، فتحجبها عن اللّه ، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس ، فتستر ظلمة حظوظها ، ويرتفع الحجاب بين اللّه وعبده . ألم ، غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس ، في أدنى أرض العبودية ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، فتغلب أنوار الأرواح المطهرة ، على ظلمة النفوس الظلمانية ، وذلك في بضع سنين ، مدة المجاهدة ، والبضع : من ثلاث إلى عشر ، على قدر الجد والاجتهاد ، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع ، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره ، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة . للّه الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر اللّه ، حيث نصرهم على نفوسهم ، فظفروا بها . ينصر من شاء حيث يشاء ، وهو العزيز الرحيم . قال بعضهم : انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها وصلوا . ه . وقال الورتجبي : قوله : غُلِبَتِ الرُّومُ . . الآية ، إشارة إلى أن الأرواح ، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة ، والشياطين الكافرة ؛ امتحانا من اللّه ، وتربية لها بمباشرة القهريات ، فإنها تغلب على النفوس ، من حين تخرج من مقام الاختيار . انظر تمامه . وقال القشيري : قوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا : استغراقهم في الاشتغال بالدنيا ، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة . وقيمة كل امرئ علمه ؛ كما في الأثر عن علىّ رضي اللّه عنه . قال : وقيمة كلّ امرئ ما كان يتقنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء